فخر الدين الرازي
110
النبوات وما يتعلق بها
لم يمتنع أن يكون الفاعل لهذه المعجزات واحدا من الجن ، أو الشياطين . ومع قيام هذا الاحتمال ، كيف يمكن الجزم بأن فاعل هذه المعجزات هو اللّه تعالى ؟ والعجب : أن الناس يجوزون دخول الجنى في بدن المصروع ، ويجوزون أن يتكلم ( الجنى على لسان المصروع ) « 17 » وأن يخبر عن الغيوب على لسان المصروع ، فلما جوزوا ذلك ، فلم لا يجوزون : أن الذئب لما تكلم مع الرسول عليه السلام ، أو الجمل ( لما تكلم معه ) « 18 » أو الذراع المسموم لما تكلم معه ، فذلك الكلام انما حصل لأجل ( أن الجنى نفذ في بطن ذلك ) الذئب والجمل والذراع ؟ ومع قيام هذا الاحتمال : فكيف فعلوا بأنه معجز حصل بخلق الله تعالى ؟ ولم لم يجوزوا أن يقال : أن انقلاب العصا حية ، كان من هذا الباب ؟ وأيضا : فلم لا يجوزون أن ( يقال : ان ) « 20 » فصاحة الجن ومردة الشياطين كانت وافية بمثل فصاحة القرآن ، فأتوا بهذا القرآن من عند أنفسهم ، والقوة على الرسول ؟ ( ومع هذا الاحتمال ، فكيف يمكن القطع بأنها من فعل الله ؟ ) « 21 » . واعلم : أن هذا السؤال ، قد ذكره اللّه تعالى في القرآن ، فقال في سورة الشعراء : « وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ » « 22 » . ثم قال بعده : « وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ » والتقرير : ( انه لما ادعى ) « 23 » انه تنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين على قلبه . فكأن قائلا قال : ولم لا يجوز أن يقال أنه من تنزيل الشياطين ؟ فلهذا السبب قال : « وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ
--> ( 17 ) يتكلم على لسانه ( ت ) . ( 18 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 20 ) من ( طا ) . ( 21 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 22 ) الشعراء 192 وما بعدها . ( 23 ) من ( ل ) ، ( طا ) .